الاستثمار الأجنبي في التعليم: بين “عقدة الخواجة” و”ضالة المؤمن”

قبل عدة أشهر حضرت زميلتنا سارة زيني حفل “نهاية العام” في إحدى المدارس العالمية بجدة، في ذلك الحفل غنى الأطفال ذوو السنوات الخمس أغنية “بلاد العرب أوطاني” بإتقان عالٍ، كان المشهد مؤثرًا لكثير من الآباء والأمهات الحاضرين لأن معظم هؤلاء الأطفال لم يكونوا قادرين على التحدث باللغة العربية بشكل جيد قبل عدة شهور فقط، المدهش في الأمر أن هذه المدرسة المشهورة بتميزها في تعزيز الهوية العربية والإسلامية لدى طلابها هي إحدى المدارس القائمة على شراكة استراتيجية مع مستثمر أجنبي من أوروبا، ولكوننا مراقبين لحركة التعليم محليًا، ومتتبعين لأسباب الممارسات الناجحة، نجد أن أكثر ما يميز هذه المدرسة عن نظيراتها هو هذه الشراكة التي مكنتها من نقل أفضل الخبرات الخارجية إلى الكوادر المحلية وأعانتها على ضخ الأموال اللازمة لتطوير الكفاءات والمناهج ووسائل التقنية الداعمة لتعلم الطلاب، لكن قد يُطرح سؤال هنا، “ما حاجة الاستعانة بالخبرات الأجنبية؟ ألا تكفي كفاءات معلمينا وقادة مدارسنا المحليين؟ أم هي “عقدة الخواجة” التي لا تعطي  الكفاءات المحلية بالاً”؟

 

بناء القدرات المحلية أولوية بين جميع ملفات إصلاح التعليم، وهذا ما يدعونا إلى الاستثمار في بناء منصة “أعناب” لتدريب المعلم العربي وبالتحديد السعودي، لكن لأن طبيعة عملية تطوير التعليم بطيئة –ويجب أن تكون بطيئة كالسلحفاة– مقارنة بالقطاعات الأخرى، فنحن نحتاج إلى بناء الأساسات الصحيحة على المدى البعيد. جزء من عملنا في “إمكان” يتطلب التعاون مع المستثمرين الأجانب في قطاع التعليم من مشغلي مدارس ومبتكرين في مجال تقنيات التعليم، وفرصة كهذه مكنتنا من رؤية القيمة المضافة التي يمكن لهؤلاء المستثمرين جلبها إلى قطاع التعليم بالمملكة، فعندما نعقد الشراكات الاستراتيجية مع جهات أجنبية، خصوصًا تلك القادمة من دول رائدة في مجال التعليم، فإننا نحقق منافع على ٤ مستويات رئيسة:

  • الأول: نستفيد من خبراتهم في تعزيز كفاءة المهارات الفنية والإدارية للموارد البشرية في مؤسساتنا التعليمية.
  • الثاني: ننمي رؤوس أموال تمكننا من الإنفاق على تطوير المنظومة التعليمية.
  • الثالث: أن تُستحدث لدينا فرص عمل جديدة أكانت مباشرة أم غير مباشرة.
  • الرابع: زيادة خيارات المدارس الأهلية ومن ثم خلق بيئة تنافسية تحفز على تقديم جودة أفضل لأولياء الأمور.

 

والآن، أكثر من أي وقت مضى، هو الوقت الأنسب لدعم الاستثمار الأجنبي في قطاع التعليم، حيث تسعى المملكة إلى زيادة نسبة الاستثمار الأجنبي من ٣.٨٪ إلى ٥.٧٪ من الناتج الإجمالي المحلي للبلاد[1]، إضافة إلى أن المملكة حاليًا تشهد تطورات غير مسبوقة من تحول اقتصادي وتنويع مصادر الدخل، مما يشكل فرصًا ذهبية للمستثمرين الأجانب الراغبين بتوسيع أصولهم الاستثمارية، ومن ناحية أخرى فإن المملكة تمثل السوق الأكبر في الخليج بشكل عام، واستثمارها في التعليم مستدام، فعلى مدى السنوات العشر الماضية تراوح حجم صرف المملكة على التعليم من ٣٥ إلى ٥٢ مليار دولار، وبذلك تكون المملكة واحدة من أعلى الدول عالميًا من حيث الصرف على الطالب الواحد.

 

ورغم الإنفاق الحكومي الكبير على التعليم، لا يخفى على المتابع أن القطاع ما زال يعاني من الكثير من التحديات، ومن هنا تأتي أهمية الدعم الحكومي في الاستثمار الأجنبي وتوظيفه بصفته أداة لرفع جودة التعليم، ولعل أبرز مثال في هذا السياق مؤخرًا هو صفقة الاستثمار المشتركة ما بين شركة “حصانة الاستثمارية” الذراع الاستثماري للمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، وشركة جيمز “GEMS” التعليمية العالمية، التي استحوذت على مجموعة “معارف للتعليم”، أكبر مالك ومشغل مدارس خاصة في المملكة، والجدير بالذكر هنا أن أهم ما تنطلي عليه هذه الصفقة هو بناء وتشغيل ٥٥ مدرسة جديدة في المملكة. [2]

 

لكن يبقى السؤال الأهم الذي قد يتبادر إلى ذهن الجميع: كيف نضمن نجاح هذا الاستثمار الأجنبي في التعليم المحلي؟ معادلة النجاح هنا تتطلب بعض الأساسيات، ومنها على سبيل المثال لا الحصر:

  • وجود شريك محلي يعمل جنبًا إلى جنب مع المستثمر الأجنبي في الميدان، حتى تتم فعلًا نقل الخبرة التي من شأنها بناء قدرات محلية قوية، وحتى نتأكد من أن التطوير في المناهج مقنن يعكس الاحتياجات المحلية، خصوصًا فيما يتعلق بضمان تعزيز الهوية واللغة، وهذه فرصة مهمة لتنشيط دور العاملين في التعليم العالي والباحثين للمشاركة في عملية الموائمة هذه من خلال إعداد الدراسات وتفعيل المبادرات اللازمة، ففي نهاية المطاف إصلاح التعليم مسؤولية تقع على عاتق الجميع لا على جهة واحدة فقط.
  • التأكد من أن الاستثمار المالي غير مؤقت، فكما أشرنا سابقًا؛ عملية تطوير التعليم بطيئة وتحتاج إلى التزام طويل المدى.
  • التأكيد على أن الاستثمار الأجنبي هو أحد الوسائل لإصلاح التعليم المحلي وليس بالحل الوحيد، وهو بالضرورة لا يغني عن استمرار المملكة في الاستثمار لتطوير المدراس الحكومية.

 

وأخيرًا، حتى نتمكن من جني ثمار الاستثمار الأجنبي في التعليم حقًا، لا بد أن ننظر للتجربة بشكل موضوعي ومحايد، وأن نحاول أن نفهم أبعادها بدلًا من أن نتجاهل المشكلات القائمة وننظر إلى القضية على أنها إشكالية “عقدة الخواجة”، أو لم يعلمنا الرسول عليه السلام أن “الحكمة ضالة المؤمن، أنى وجدها فهو أحق بها”؟ فلماذا إذن لا ننهض بمنظومتنا التعليمية من خلال التعلم والاستفادة من خبرات الآخرين والتعاون معهم؟

 

المصادر

[1]   تقرير غرفة الرياض، ٢٠١٩

[2] صحيفة العرب نيوز

مصدر صورة التدوينة The Economic Times