إذا أردنا معالجة ظاهرة الغياب فعلينا استبدال عقلية “العصا والجزرة”

كشفت نتائج هيئة تقويم التعليم والتدريب الأخيرة أن أكثر من ٥٠٪ من طلاب العينة التمثيلية غابوا ليوم واحد على الأقل في الأسبوع، لطالما كانت مسألة الغياب محط اهتمام القائمين على المنظومة التعليمية، ليس محليًا فحسب، بل حتى عالميًا نظرًا لوجود علاقة مباشرة ما بين الغياب ومستوى أداء الطالب وتحصيله الدراسي، والمشكلة لا تتوقف عند هذا الحد، بل تشير الدراسات إلى أن تبعات الغياب قد تمتد إلى التأثير بشكل سلبي على وضع الطالب الاجتماعي والاقتصادي مستقبلًا[1]، كأن تؤثر مثلًا على فرصه الوظيفية ومستوى دخله.

 

والسؤال هنا: كيف يتم التعامل محليًا مع مسألة بهذه الجدية والخطورة يا ترى؟ حتى نستطيع أن نفهم الوضع الحالي، دعونا نلقي الضوء على أهم المشكلات التي تشكل عوائق أمام التعامل مع ظاهرة الغياب المدرسي.

 

المشكلة الأولى: عدم وجود تعريف وطني موحد للغياب وطريقة قياسه

 

أشارت أ. هيلة الطويل في ورقة عمل مقدمة للمؤتمر السادس لتطوير التعليم العربي أن هناك أشكالًا مختلفة للغياب، ومنها الغياب عن المدرسة، والغياب عن الفصل الدراسي، أو الغياب عن الحصص الصباحية فقط في مقابل التغيب عن جميع الحصص[2]. ونظرًا لعدم وجود تعريف وطني موحد للغياب وكيفية قياسه، فمن الصعب جمع بيانات دقيقة من المدارس ودراستها بهدف إيجاد مبادرات وطنية لعلاجها، وقد رأينا من خلال عملنا في “إمكان” هذه المشكلة في الكثير من المدارس الخاصة، بل في بعض الحالات وجدنا انعدامًا لوجود تعريف أو منهجية واحدة معممة في المدرسة الواحدة، فتجد أن مرحلة الابتدائية تقيس الغياب بطريقة مختلفة عن التي تستخدمها مرحلة المتوسطة في المدرسة ذاتها.

 

المشكلة الثانية: الغياب ما بين المقبول وغير المقبول

 

الطريقة الحالية المتبعة في النظر إلى مسألة الغياب تصنف إلى قسمين: إما غياب بعذر وهو لا يحتسب كغياب، أو غياب بدون عذر، وهو ما يحتسب. وكأننا نقول إن هناك نوعًا من الغياب مقبول وآخر غير مقبول، في حين أن الغياب المتكرر جميعه غير مقبول لأنه يؤثر على أداء الطالب. تخيل أن طالبًا يغيب ٥ أيام في الشهر بسبب حالة صحية يعاني منها، وهو ما يندرج تحت الغياب المقبول لأنه بعذر، سيكون أداؤه الدراسي على الأرجح مقاربًا لطالب يغيب ٥ أيام في الشهر دون عذر، في كلتا الحالتين يتطلب الأمر تدخلًا ومعالجة، لكن لأن النظام الحالي يتغاضى عن الغياب بدون عذر، فلا يتم احتسابه، ومن ثم لا ينظر إليه بصفته مشكلة.

 

المشكلة الثالثة: التعامل مع الغياب بعقلية العصا والجزرة

 

إذا نظرت إلى كيفية تعاملنا الحالي مع ظاهرة الغياب، ستجد أنها في الغالب قائمة على أسلوب العقاب والتهديد بخصم الدرجات أو الفصل من المدرسة، في حين أن الدراسات العالمية التي قاست أثر هذا النوع من الإجراءات، وجدت أنها غير مجدية في تخفيض نسبة غياب الطلاب[3]. وهذا ما يؤكده أيضًا الكثير من قادة التربويون في المدارس المحلية مثل الأستاذ فايز الهويدي، المشرف الطلابي بمدرسة الظهران، الذي قال في لقاء له في قناة العربية: “لا يهتم الطلاب كثيرًا بالتهديد بالحسم من المواظبة أو السلوك، ويعتبرونها درجات غير مؤثرة، ولهذا في مدرستنا طال الغياب أكثر من 60% من الطلاب في مختلف الفصول خاصة المتوسطة والثانوي”.[4]

 

ما السبيل إذن للتعامل مع ظاهرة الغياب في ظل هذه المشكلات المتعددة؟

 

هناك عدة توصيات يمكن تطبيقها على مستويات مختلفة، نقترح منها الآتي:

 

  • على المستوى الحكومي: أن يتم تطوير منظومة منهجية وطنية توحّد تعريف الغياب وطريقة قياسه، ونوصي هنا بأن يتم إعادة النظر في نظام الغياب بعذر ودون عذر، فبدلًا عن هذا التصنيف الحالي، يمكن احتسابه بناءً على مدى تكراره لا على مسبباته، وهذا ما تفعله العديد من الدول الأخرى التي تصنف الغياب إلى غياب عادي (الذي لا يشكل خطرًا على أداء الطلاب)، وغياب مزمن (وهو ما يشكل خطرًا ويستدعي التدخل، مثلاً في نظام التعليم الأمريكي يعرف الغياب المزمن بأنه تجاوز الـ١٠٪ من إجمالي أيام السنة الدراسية). وهكذا سيسهل علينا أن ندرس ونعالج بشكل دقيق معدلات الغياب التي تشكل خطرًا.

 

  • على مستوى المدارس: بدلًا من الاستمرار في فرض العقوبات كوسيلة للتعامل مع هذه الظاهرة، على المدارس أن تجد طرقًا جديدة إبداعية لإشراك الطلاب في الحياة المدرسية وتحفيزهم المتواصل للحضور. في دراسة قامت بها شركة غالوب العالمية على أكثر من ١١٧ مدرسة أمريكية في عام ٢٠١٥ ومن ثم ١٤٤ في العام الذي يليه، وجدت أن نسبة الغياب في المدارس التي طبقت برامج تشاركية وتحفيزية للطلاب كانت أقل بـ ١٠ درجات مقارنة بالمدارس التي لم تفعل ذلك[5].

 

رسم بياني لنتائج نسب الغياب

 

لا يكمن الحل كذلك في إلقاء المسؤولية على أولياء الأمور، ففي أحيان كثيرة تكمن المشكلة في المدرسة لا البيت، مثل أن يتعرض الطالب للمضايقات والتنمر كما أظهر تقرير هيئة تقويم التعليم والتدريب مؤخرًا[6]، أو حتى التعامل غير التربوي من قبل بعض المعلمين.

 

نتائج هيئة تقويم التعليم والتدريب - تدوينة الغياب

 

لذلك على المدرسة أن تحلل بعمق حالات الغياب لفهم الاحتياجات الفردية لكل طالب. كما أن إشراك أولياء الأمور ضروري، لكن الأمر يتجاوز مجرد إرسال الخطابات الإنذارية أو استدعائهم، المطلوب بناء تواصل عميق مع الأهالي من خلال إقامة البرامج التوعوية والتدريبية، وإشراكهم في وضع الخطط العلاجية الخاصة بأبنائهم، خاصة أهالي طلاب مرحلة رياض الأطفال والابتدائية، لأنهم عادة يتساهلون في غياب أبنائهم في المراحل المبكرة، بالرغم من أن الدراسات تظهر أنه كلما ضبط الغياب في عمر مبكر، كان معدل الغياب أقل في المراحل المتقدمة[7].

 

  • على مستوى المجتمع: ظاهرة شائكة وخطيرة كهذه لا بد أن تتعاون على حلها جهات المجتمع المختلفة، مثل مراكز ومختصي الإرشاد النفسي، والجمعيات والشركات المعنية بملف التعليم. نطمح بأن نرى شبكات مهنية تجمع ما بين المدارس وجهات كهذه لتركيز الجهود وتبادل الخبرات لمواجهة تحديات الغياب، على سبيل المثال إحدى المبادرات بأمريكا كونت شبكة تتألف من ٢٣٠٠ مدرسة لإطلاق برامج تسعى إلى تخفيض نسبة الغياب في جميع المراحل، وفي عام ٢٠١٥ أظهرت نتائج أحد برامج المبادرة انخفاض في نسبة الغياب من ٣٢٪ إلى ٢٣٪[8].

 

كما نرى، إن أردنا معالجة ظاهرة الغياب، فعلينا استبدال منهجية العصا والجزرة الحالية والقائمة على الصرامة وخصم درجات بمنهجية جديدة تعي أن الظاهرة معقدة وشائكة وتستدعي تدخلات من نواحٍ متعددة.

 

المصادر:

[1] Chronic Absenteeism NEA Research Brief, 2018

[2] الغياب والتسرب من المدرسة أسبابه وطرق علاجه، ورقة عمل مقدمة للمؤتمر السادس لتطوير التعليم العربي ٢٠١٨

[3] We can fix chronic absenteeism. Education Week, 2017

[4] مقال على العربية: 60% نسبة غياب الطلبة في المدارس ٢٠١٤

[5] Positive Relationships Between Student Engagement and Hope and Student Behavior, 2018

[6] هيئة تقويم التعليم والتدريب

[7] Reducing Student Absenteeism in the Early Grades by Targeting Parental Beliefs

[8] Attendance Works, Everyone Graduates Center, 2017

*مصدر صورة التدوينة EdSource.org