ماذا يعني أن نكوّن «معرفة عميقة» عند طلابنا؟

في التدوينة السابقة، تحدثنا عن أنواع المعرفة وتوظيفها في إدارة المؤسسات التعليمية، لكن عندما نتحدث عن المعرفة العميقة في سياق تعليم الطلاب، فإننا بذلك نعني أننا نوجد منظومة تعليمية تخرج طلاب لديهم القدرة على[1]:

١) معرفة وإتقان المحتوى الأكاديمي الأساسي

٢) التفكير النقدي وحل المشكلات المعقدة

٣) العمل التعاوني

٤) التواصل الفعال

٥) التعلم الذاتي

 

حاليًا، منظومة التعليم السائدة توفر للطلاب معرفة بسيطة، وهي القائمة على الحفظ، واستخدام الذاكرة قصيرة المدى، وجمع المعلومات، وهذا النوع من أنواع المعرفة هو الأكثر شيوعًا بين المتعلمين للأسف، فعلى سبيل المثال، وجدت مجموعة من الباحثين أن ٩٠٪ من الطلاب في أسكوتلندا، وكندا، وأستراليا تلقوا تعليمًا قائمًا على المعرفة البسيطة[2].

 

وتغيير توجه التعليم من التركيز على المعرفة البسيطة إلى المعرفة العميقة يستعدي اتخاذ سياسات وإجراءات على مستوى وطني وحكومي بلا شك، لكن هذا لا يمنع من وجود استراتيجيات يمكن للمدارس تطبيقها لتعزيز اكتساب المعرفة العميقة عند الطلاب، و من أهم هذه الاستراتيجيات:

 

  • تقديم الحقائق والمعلومات ضمن سياق ذي معنى[3]

تقديم الحقائق كمعلومات منفردة لن يساعد الطلبة في تذكرها لاحقًا أو توظيفها، لذلك يجدر بالمعلمين أن يقدموها في سياق ذي معنى، مثلاً بدل أن يعطي المعلم معلومات عن شخصية تاريخية ما، يمكنه أن يقدمها من خلال قصة أو كتاب عن سيرة هذه الشخصية، كما يقتضي بناء السياق إيجاد ترابط بين المجالات والمواد المختلفة، كأن تُعلّم بعض مفاهيم الرياضيات من خلال مواد الدين، أو أن تعلم قواعد اللغة من خلال مادة التاريخ، وهكذا. الهدف الرئيسي هنا هو توسيع مدارك الطلاب قدر الإمكان، فكلما كانت معرفة الطلاب بالعالم ضحلة، كلما كانت مقدرتهم على تكوين معرفة عميقة أضعف.

 

  • دفع الطلاب لأن يقودوا عملية التعليم الخاصة بهم[4]

أن يكون التعليم قائمًا على المشاريع والمهمات التي تخلق تجارب ينخرط فيها الطلاب كليًا، فهذا يعني أننا على الطريق الصحيح في تمكينهم من اكتساب معرفة عميقة. أيًا كان المشروع، مثلاً تصميم تطبيق جوال، تنظيم انتخابات طلابية، أو تصميم منتج وبيعه، فالمفاهيم والمعلومات والمهارات المكتسبة تتفوق في عمقها على التلقين النظري. وهنا يتحول دور المعلم من ملقن وحامل للمعلومات إلى مرشد للطلاب الذين يقودون عملية تعلمهم من خلال هذه المشاريع والأنشطة.

 

  • إيجاد مجتمعات تعلم[5]

كثيرًا ما نسمع عن إنشاء مجتمعات تعلم مهنية للمعلمين، لكننا نادرًا ما نرى هذه المنهجية مطبقة مع الطلاب، وتكمن أهميتها في أنها تحول الطلاب من مجرد متلقين إلى أصحاب دور فعّال، ومن الأمثلة التي يمكن تطبيقها هنا: تشجيع الطلاب لأن يحرصوا على نجاح زملائهم، وتمكين الطلاب في المراحل المتقدمة من أن يكونوا مرشدين وقدوات للطلاب في المراحل المبكرة، وخلق ممارسات وأعراف في المدرسة حول التغذية الراجعة البناءة والتأمل بهدف تعزيز التعلم.

 

تتعدد الاستراتيجيات والغاية واحدة، ألا وهي تهيئة الأجيال الصاعدة للتعامل مع تحديات المستقبل التي تفرضها تعقيدات الاقتصاد والتكنولوجيا والبنى الاجتماعية الحديثة. لذلك لا مفر من خلق منظومة تعليمية تمكن الطلاب من “النجاة” من خلال التعلم الذاتي وتوظيف المعارف بشكل جيد رغم كل التحديات التي نعرفها ولا لم نكتشفها بعد.

 

 

المصادر:

[1] Alliance for Excellent Education, Robert Rothman, 2013

[2] The Depth of KNOWLEDGE: Surface, Shallow or Deep?  by Alex and David Bennet, Vine, 2008

[3] Knowledge in the Classroom, Daniel T. Willingham, readingrockets.org

[4] [5] Deeper Learning: How Eight Innovative Public Schools are Transforming Education in the Twenty-First Century, Dennis McGrath, Monica Martinez, 2014

مصدر صورة التدوينة gulfnews