كيف نوظف «المعرفة العميقة» في إدارة المؤسسات التعليمية؟

مع تغير طبيعة الاقتصاد العالمي ومتطلباته، أصبح العديد من الناس يتساءلون عن نوع المعرفة أو التعلم الذي يجب نركز عليه، لا سيما عند الأجيال الصاعدة، هل نكوّن معرفة عميقة في مجال واحد معين، أم نكوّن معرفة سطحية في مجالات متعددة مختلفة؟ وكيف سيؤثر ذلك على جودة الأداء والممارسات؟

 

هذه الأسئلة لا تقتصر على التعلم عند الطلاب، بل تمتد إلى المهنيين والمؤسسات بشكل عام، لأن مستوى المعرفة مرتبطة بشكل مباشر بالممارسات، فكلما تدرجنا في المعرفة من السطحي إلى العميق، كلما انعكس ذلك على قدرتنا على اتخاذ قرارات صائبة، وإيجاد حلول ناجحة، وتبني ممارسات فعّالة سواء على المستوى الفردي أم الجماعي. لذلك نود أن نناقش في سلسة من التدوينات مستويات المعرفة المختلفة وكيف يساعدنا فهم الفروقات بينها على تحسين عملية التعلم وبالتالي تطوير الأداء والمخرجات في سياقات مختلفة: المؤسسات التعليمية، والمعلمين، والطلاب. في هذه التدوينة سنركز على سياق المؤسسات التعليمية.

 

يقسم الباحثون تدرجات المعرفة إلى ٣ أقسام رئيسة: المعرفة البسيطة (Surface Knowledge)، والمعرفة المتوسطة (Shallow Knowledge)، والمعرفة العميقة (Deep Knowledge).

 

المعرفة البسيطة

 

في غالبها تتكون من معلومات واقعية تجيب على أسئلة من نوع ماذا؟ متى؟ أين؟ من؟ وهي تتطلب من المتعلم أن يحدد، أن يصف، أن يتذكر، أن يحفظ، وأن يجمع بين المعلومات[1]. لكن مشكلة هذا النوع من المعرفة أنه يعتمد بشكل أساسي على الذاكرة قصيرة المدى، وعلى ملئ ذهن المتعلم بالمعلومات، والحقائق، والمفاهيم لتحقيق أهداف قصيرة المدى مثل اجتياز الاختبارات. إضافة إلى ذلك، فإن التعلم المعتمد على المعرفة البسيطة يسهل نسيانه مع الوقت لأنه يفتقد إلى إيجاد معانٍ عميقة وروابط مع المعرفة المخزنة في ذهن المتعلم[2].

 

المعرفة المتوسطة

 

يقتضي هذا النوع من المعرفة أن يمتلك المتعلم معلومات يصاحبها قدر من الفهم ومقدرة على إيجاد معنًا من وراء هذه المعلومات، وهذا النوع يختلف عن المعرفة البسيطة كونه يعتمد على قدرة الفرد أو المؤسسة على التعامل مع المعلومات المعطاة وتحويلها إلى شيء آخر ذي جدوى/قيمة. المعرفة المتوسطة تتطلب من المتعلم أن يستخدم المنطق، التحليل، الملاحظة، التفكير، المقارنة، الشرح، التفسير[3].

 

المعرفة العميقة

 

هذا المستوى من المعرفة يقتضي تكوين فهم ومعنًا عميقين ودمجهما مع المعرفة الموجودة مسبقًا في ذهن المتعلم بطريقة تمكنه من توظيفها حتى وإن اختلفت المواقف والسياقات، ووفقا للباحثين، يلعب العقل الباطن دورًا مهمًا في هذا المستوى حيث أن المعرفة العميقة ترتبط بشكل كبير بحس الإبداع، الحدس، التنبؤ، التجارب، توظيف النظريات، والقدرة على التعرف على الأنماط وفهمها[4]. والعامل الأكثر أهمية في هذا النوع من المعرفة هو أنه يتطلب جهد كبير ووقت طويل لتكوينه. في هذا النوع من المعرفة، لا بد أن يكون لدى المتعلم قدرًا كبيرًا من الانضباط والاهتمام والتكريس في مجال ما حتى يستطيع أن يكوّن معرفة عميقة فيه. وبحسب أقوال الباحثين فإن هذا المستوى من مستويات المعرفة يمكنّا من الوصول إلى أفضل الحلول كأشخاص ومؤسسات.

 

توظيف مستويات المعرفة المختلفة في إدارة المؤسسات التعليمية

 

كلما زاد التعقيد في المهام وصنع القرارات في مؤسسة ما، كلما استدعى الأمر توظيف مستوى أعمق من المعرفة. فعلى مستوى المهام والقرارات الروتينية اليومية المتسمة بقلة التعقيد، فإن توظيف المعرفة البسيطة يؤدي الغرض، أما على مستوى العمليات التشغيلية التي تتطلب قرارات من المشرفين والإداريين، فيتطلب هذا المستوى توظيف المعرفة البسيطة. والمهام والقرارات الاستراتيجية، فهي بالتأكيد تقتضي وجود معرفة عميقة عند قادة المؤسسة. (انظر الشكل التوضيحي أدناه[5]).

 شكل توضيحي - معرفة عميقة

وحتى تستطيع المؤسسات التعليمية توظيف المعرفة العميقة بشكل فعّال، فإننا نقترح الإجراءات التالية:

 

  • تصميم الممارسات، والسياسات، والإجراءات بطريقة تخلق مستوى معرفي عميق، مثلاً أن تكون منظومة المؤسسة مبنية على التعاون بين فرق العمل وبين مجموعات التعلم المهنية، فهذا يسهل انتقال المعرفة بين الأشخاص ويخلق أفكار ومعانٍ جديدة نتيجة لاحتكاك الأفراد بعضهم ببعض[6]، وبالتالي ممارسات كهذه تساعد المشاركين على اكتساب مستوى معرفي أعمق.
  • تصميم وتوفير برامج تطوير مهني قائمة على المعرفة المتوسطة والمعرفة العميقة، مثلاً في «إمكان»، دائمًا ما نقوم بتقديم برامج تدريبية تجعل المتدربين ينخرطون، يجربون، و”يعيشون” هذه المعرفة الجديدة التي تقدم إليهم خلال فترة زمنية ممتدة حتى يقودهم ذلك إلى تكوين معرفة عميقة.
  • تطوير برامج الإرشاد المهني بطريقة تجعل الموظفين ذوي المعرفة البسيطة والمعرفة المتوسطة يلازمون الموظفين ذوي المعرفة العميقة حتى يتم نقل الخبرات والتجارب إليهم.
  • دعم وتمويل المبادرات البحثية الداخلية التي تعود على المؤسسة بالنفع وتحفيز الموظفين على العمل عليها [7].

 

قد يبدو موضوع المعرفة العميقة موضوعًا بديهيًا للوهلة الأولى، لكن من خلال عملنا مع العديد من المؤسسات التعليمية وجدنا أن التطبيق على أرض الواقع ليس بالأمر السهل، ومن أهم الأسباب خلف ذلك هو عدم وجود فهم واضح لتدرجات المعرفة المختلفة وكيفية توظيفها، لذلك تكوين تصور وفهم مبدئي يمثل خطوة أساسية أولية نحو تطبيق أفضل للمعرفة العميقة في إدارة المؤسسات التعليمية للحصول على نتائج وتطور ملموس في الأداء والمخرجات.

 

المصادر

[1] The Hong Kong Polytechnic University, Deep Knowledge

[2] [4] [5] [6] The Depth of KNOWLEDGE: Surface, Shallow or Deep?  by Alex and David Bennet, Vine, 2008

[3] The Hong Kong Polytechnic University, Deep Knowledge , The Depth of KNOWLEDGE: Surface, Shallow or Deep?  by Alex and David Bennet, Vine, 2008

[7] Develop Deep Knowledge in Your Organization — and Keep It, Dorothy Leonard, Harvard Business Review, 2016

مصدر الصورة: newatlas.com