هل تؤهل مدارسنا اليوم الطلاب لوظائف المستقبل؟

هل تؤهل مدارسنا اليوم الطلاب لوظائف المستقبل؟

أبناؤنا هم القوة الدافعة للمستقبل، ودورنا نحن كتربويين وأولياء أمور يكمن في الحرص على تزويدهم بأسس معرفية ومهارية متينة على مدار رحلتهم الدراسية، بما يمكّنهم من مواكبة تغيرات العصر وتحدياته. ولهذه الغاية وُجدت المؤسسات التعليمية المختلفة. لكن تحديات المستقبل ستختلف عن تحديات اليوم، ومن الضروري استعداد أبناءنا وبناتها لمواجهة هذه التحديات. فهل تؤهل المدارس الموجودة اليوم طلابها لوظائف وتحديات المستقبل؟

 

ما هي وظائف المستقبل؟

يشهد عصرنا الحالي تطورات سريعة وتغيرات متلاحقة، مما يعني أن أبناءنا يسيرون إلى مواجهة عوالم جديدة ومختلفة عما عرفناه ونعرفه. نسمع بين الفينة والأخرى بوظائف مستحدثة وتخصصات جديدة يوصي بها أصحاب الأعمال مثل إدارة البيانات وإنترنت الأشياء، والطاقة المتجددة، وسلاسل التوريدات والأتمتة، وإدارة المخاطر، وريادة الاعمال وغيرها.

تشير تقارير المنتدى الاقتصادي العالمي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في 2019 إلى توقع زوال 75 مليون وظيفة وظهور نحو 130 مليون وظيفة جديدة بحلول 2025، هذا إلى جانب توقع بتوجه نحو 230 مليون شخص إلى العمل الحر وإيجاد حوالي 60 مليون شخص لفرص جديدة في وظائف قريبة من مهاراتهم. بالإضافة لذلك، يشير تقرير تقييم احتياجات السوق السعودي لعام 2020 إلى أن القطاعات غير النفطية (التكنولوجيا والاتصالات، التصنيع، النقل والتخزين، التمويل والتأمين، تجارة الجملة والتجزئة، العلوم والهندسة) شكلت حوالي 74% من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المقدر لها أن تسهم بنحو 86% من الوظائف المتاحة في السوق السعودي بداية من العام الحالي.

لكن ما علاقة أبنائنا بهذه التغيرات فعليًا؟ على أرض الواقع، تسعى السعودية بخطى حثيثة للتحول وتحقيق رؤية 2030 في عدة مجالات اقتصادية واجتماعية، ومن ضمنها سعيها لتكون مركز لجذب الاستثمارات العالمية ومركز للخدمات اللوجستية بين القارات الثلاثة آسيا وأفريقيا وأوروبا، وكل هذه الطموحات تؤكد التوجه للاعتماد على المهارات والعلوم المتقدمة مثل البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي بشكل متزايد.

يدفعنا اختلاف هذه المجالات إلى تأمل مستقبل أبنائنا والتساؤل إذا كان تعليمهم كاف في ظل ما نشهده من تغيرات وتقدم، كما يحثنا على إعادة النظر في طبيعة ما يحصلون عليه من أساسات ومكونات تعليمية ومهارية، وإذا كانت تنمي قدراتهم فعلًا بما يؤهلهم للنجاح في أي طريق يتخذونه في حياتهم المهنية والعملية مستقبلًا.

 

خريجو اليوم في سوق العمل.

“قد يغير أطفال اليوم وظائفهم سبع مرات على الأقل خلال حياتهم – خمسة من هذه الوظائف لم تستحدث بعدُ.” هكذا يجيب وزير التعليم الأرجنتيني إيستبان بولريخ على سؤال “كيف يبدو مستقبل الوظائف والعمل في رأيك؟” الذي وجهه المؤتمر الاقتصادي العالمي إلى خبراء مختلفين حول العالم قبل انعقاد اجتماعه السنوي في 2017. يتفق العديد من الخبراء مع بولريخ، ويشير العديد منهم إلى مركزية مفهوم “قابلية التعلم” في المستقبل. بعبارة أخرى، نجد أنه مع التغيرات السريعة والمتكررة لمتطلبات السوق من مهارات ومعارف، يقل تأثر قابلية التوظيف بالمعارف الموجودة لدى الموظف مقابل زيادة اعتمادها على مدى قدرته على اكتساب المعارف والمهارات الجديدة وقابليته للتعلم المستمر.

لكن المصادر المتاحة تدل على أن خريجي اليوم لا يتمتعون بالتأهيل الكافي لتسهيل مسيرتهم العملية نحو ذلك المستقبل. أحد أبرز الأدلة يتضح في تقرير أعدته مجموعة سيتي آند جيلد البريطانية حول تزويد سوق العمل السعودي بالكفاءات البشرية، حيث يؤكد التقرير على أن أرباب العمل السعوديون يواجهون نقصًا في مهارات الخريجين في جوانب جوهرية مثل المهارات التقنية والقيادية ومهارات التواصل وخدمة العملاء، مما يؤثر سلبًا على إنتاجية المنشآت واستثمار الوقت والتنافسية. نستخلص من التقرير بعض أبرز الأرقام الدالة وفقًا لإفادات أصحاب الأعمال:
 

حجم العجز المهاري في إمدادات الموارد البشرية في السوق السعودي تبعات هذا العجز على أداء الأعمال والمنشآت
65% في المهارات التقنية 56% انخفاض في انتاجية المنشآت
62% في المهارات القيادية 36% زيادة عن المتوقع في الاعتماد على استشاريين ومصادر خارجية
35% في المهارات الشخصية 30% هدر في الوقت
29% في مهارات التخطيط الاستراتيجي 15% عجز عن تلبية رغبات العملاء
24% في مهارات التواصل 18% تراجع في تحقيق العوائد المتوقعة
12% في خدمة العملاء 12% خسارة عملاء لصالح المنافسين

المصدر: Building the talent pipeline in Saudi Arabia report by City & Guilds Group UK

 

إذًا، ما الذي ينقص أبناءنا في المدارس اليوم؟

وبالرغم من هذا، يبدو أن المدارس ما زالت تركز على بناء المعرفة في مجال واحد أكثر من تزويد طلابها بمجموعة مهارات عملية تمكنهم من التعلم المستمر، كما أن طبيعة التحفيز والأنشطة المتوفرة في أغلب المدارس لا تتناول الاحتياجات الفعلية لهذا العصر، ناهيكم عن المستقبل

وفق دراسة أجرتها إمكان التعليمية في2020، يتضح لنا أن 15% فقط من الطلاب السعوديين يشاركون في الأنشطة اللاصفية مقارنة بمتوسط 57% عالميًا، وذلك في ظل محدودية توفير برامج لامنهجية متخصصة في مجالات الفنون والثقافة، والعلوم الانسانية والرياضة في المدارس اليوم.

تحمل هذه النتائج الحديثة أصداء الاستقصاء الذي أجراه فريق إمكان لاحتياجات الطلاب وأولياء الأمور في ديسمبر 2020، وكانت هذه أبرز الدلالات المستخلصة من إفاداتهم:

  • أكثر من نصف أولياء الامور (53%) لا يشعرون بالرضا تجاه برامج تنمية المواهب والمهارات في المدارس السعودية، بما فيها المدارس الملتحق بها أبناؤهم.
  • حوالي النصف (46%) مستعدون لدفع مصروفات إضافية لإلحاق أبنائهم ببرامج لاصفية تتناول العلوم والهندسة والمهارات القيادية وخدمة المجتمع،
  • حوالي 40% من الطلاب عبروا عن تفضيلهم للعمل مستقبلًا في قطاع الأعمال (كالخدمات الاستشارية والقانونية مثلًا) وقطاع خدمات الرعاية الصحية.

يوحي كل هذا بوجود مقدار من الوعي لدى الطلاب وأولياء الأمور بالتوجهات المستقبلية، بشكل يتسق مع التوقعات الموضوعة للسوق السعودي، حيث يشير تقرير مسك لتقييم احتياجات السوق السعودي في 2020 وتقرير وظائف المستقبل الصادر عن المؤتمر الاقتصادي العالمي في 2020 إلى توقع خلق مئات آلاف الوظائف في قطاعات السياحة والضيافة، وتجارة الجملة والتجزئة، وقطاع الإنشاءات بين نهاية 2023 وحتى حلول 2030، وبالتالي وجود حاجة متزايدة لشغل هذه الوظائف بموارد بشرية مؤهلة.

يمكننا تكوين تصور أوضح عما يفتقده أبناؤنا الطلاب حاليًا بالنظر إلى مؤشرات أخرى مثل تقرير استقصاء آراء أصحاب الأعمال الصادر عن مؤسسة كواكويرلي سيموندس في ٢٠٢٠، الذي كغيره من التقارير المعنية يؤكد على الفجوة القائمة بين المهارات وسوق العمل. الأهم هو أنه يوضح لنا عددًا من الدلالات الهامة، حيث يسلط الضوء على “القدرة على التكيف مع التغيير” باعتبارها المهارة الأقل توفرًا في سوق العمل، وأن أهم ثلاث مهارات مطلوبة حاليًا في سوق العمل من ضوء إفادات أصحاب الأعمال هي مهارات التواصل والاتصال، والعمل الجماعي، وحل المشكلات. كذلك يتضح لنا من نتائجه أن المهارات الفنية والتخصصية ليست على رأس أولويات الشركات وأصحاب الأعمال، لكنهم يركزون بحرص على البحث عن أصحاب المهارات المؤثرة على مستوى التخطيط الاستراتيجي وتيسير الأعمال، مثل الوعي التجاري والمهارات التجارية. فهل يتعلم طلابنا هذه المهارات في المدارس اليوم؟

في ظل التغيرات الثورية المتلاحقة التي يشهدها عالمنا، يجب الانتباه إلى أن مستقبل أبنائنا المهني ليس مجرد مسار مرسوم واضح، بل هو عرضة للتغير والتجدد أكثر من مرة، ولهذا يجب أن نحرص على تسليحهم وتجهيزهم بما يتجاوز مجرد المؤهل الدراسي ليكون تأهيلًا لمواجهة المستقبل وتغيراته وتحولاته. علينا أن ندرك أن الحكمة ليست فقط في مجرد اختيار مدرسة تزود أبنائنا بالمعرفة في المجالات الأكاديمية والتقنية المطلوبة مستقبلًا، ولكن في اختيار مدرسة و منهج ينمي من مهاراتهم و خبراتهم التعليمية، لأن المستقبل ينطوي على جوانب تحليلية وإبداعية وإدارية وشخصية لازمة لاستغلال وتطويع التقنيات المستقبلية.

كما يجب على أولياء الأمور البحث عن فرص تعلم إثرائية خارج المدرسة، بهدف دعم تعلم الطلاب وإكسابهم المهارات الحياتية المطلوبة، وتشجيعهم على الانخراط في كل ما يغذي المهارات المذكورة سابقًا لكي يكونوا أفرادًا قادرين على المساهمة بكفاءة وفعالية في مستقبل أمتنا الواعد.


المصادر:

[1] دراسة الوضع الراهن لقطاع التعليم الأهلي والعالمي في المملكة العربية السعودية، من إعداد إمكان التعليمية واللجنة الوطنية للتدريب والتعليم الأهلي، 2022.

[2] QS Employer Insight Report 2020

[3] تقرير سوق العمل السعودي الصادر عن كلية كينيدي بجامعة هارفارد، 2019

[4] استقصاء احتياجات الطلاب وأولياء الأمور، إمكان التعليمية، ديسمبر 2020

[5] تقرير تقييم احتياجات السوق السعودي، مؤسسة مسك، 2020

[6] تقرير مسك لتقييم احتياجات السوق السعودي، 2020

[7] تقرير وظائف المستقبل الصادر عن المؤتمر الاقتصادي العالمي، 2020

[8] موقع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: ما هو مستقبل العمل؟