التحول من إدارة العملاء إلى إدارة المواهب: حوار مع منيرة جمجوم حول قيادة شركة «إمكان»

مع قرب انقضاء عام ٢٠١٩ بدأنا في “إمكان” بمراجعة أداء وإنجازات السنة، إضافة إلى التخطيط والتحضير للسنة القادمة. وكجزء من المراجعة التأملية لأداء هذا العام قام بعض أعضاء الفريق بإجراء حوار مع الرئيس التنفيذي للشركة، الدكتورة منيرة جمجوم، التي قادت بشجاعة ما نعتقد بأنها أحد أكثر السنوات تحديًا لشركة “إمكان التعليمية”.

ولأننا نؤمن في «إمكان» بأهمية مشاركة الدروس التي تعلمناها من باب الإسهام في تطوير خبرات الآخرين، فإننا في هذه التدوينة نشارك جزءًا من هذا الحوار الذي يتسم بالصدق والشفافية.

 

منيرة، تذكرين كثيرًا أن سنة ٢٠١٩ هي سنة “تحولية”، لماذا وكيف تختلف هذه السنة عن السنوات الماضية؟

في السنوات الخمس الماضية كان تركيزي الأكبر كوني رئيسًا تنفيذيًا للشركة على الجهود الخارجية، أي تطوير الأعمال كجلب مشاريع، وجلب عملاء، ورفع نسبة المبيعات. لذلك طالما كان ذلك التركيز محور استراتيجيتنا منذ بداية تأسيس الشركة، لكن المختلف اليوم هو أنني أصبحت أركز أكثر على الداخل، أو الأمور الداخلية للشركة، وأعني بذلك مأسسة ممارسات الشركة. تطوير الأعمال مهم لكنه ليس بقدر أهمية تطوير مأسسة الشركة ومواهبها بالنسبة لي. والذي أقصده بالمأسسة هنا أي التركيز على بناء وتطوير قدرات وإمكانيات فريق العمل، وتحسين العمليات التشغيلية، ووضع إجراءات وسياسات قوية تدعم الرؤية ومستوى الخدمات الذي نطمح إليه. هذا بالضبط ما أريد التركيز عليه خلال السنتين أو السنوات الثلاث القادمة.

 

ما الذي جعلك تقومين بهذا التغيير؟ أي إعادة توجيه التركيز من الجهود الخارجية إلى الجهود الداخلية؟

أعتقد أننا وصلنا لمرحلة أصبح فيها اسم شركة “إمكان” معروفًا وموضع ثقة، فلدينا العديد من قصص النجاح، وهناك نمو في الشركة، لكن في نهاية المطاف نحن شركة تقدم خدمات في قطاع يتسم بضعف القدرات، وشركات الخدمات تعتمد كثيرًا على تطوير إمكانيات فريق العمل. لاحظت أنني عندما أركز على الجهود الخارجية، هناك أمور عديدة في الداخل تضيع، مثل ما هي الوجهة التي سنذهب إليها؟ كيف سننمي من مهارات وإمكانيات الفريق؟ الآن خطة التطوير الفردية لكل موظف –على سبيل المثال– مختلفة جدًا عن السنوات الماضية، هناك سبع مهارات “إمكانية” يجب أن يمتلكها الجميع، وهناك مهارات متخصصة يجب أن يكون متمكنًا منها كل أعضاء فريق كامبريج، في السابق لم نركز على هذه الأمور بهذا القدر من الدقة.

 

هل كان لأداء “إمكان” في ٢٠١٨ دور في جعلك تغيرين من استراتيجية الشركة في ٢٠١٩؟

بالطبع، لم نحقق أهدافنا في ٢٠١٨، وكانت سنة فيها تحديات من حيث الأداء المالي، رغم أننا في كل عام نحقق أهدافنا الاجتماعية. جزء من هذا الضغط في الأداء المالي يعود لاستثمارنا في تطوير منصة “أعناب”، وهذه إحدى القرارات الخاطئة التي إن عاد بي الزمن لن أتخذها. في البداية كانت “إمكان التعليمية” “أكاديمية أعناب” شركة واحدة، فكانت النتيجة استخدام أرباح “إمكان” لتمويل “أعناب” وتغطية مصروفاتها بدلًا من أن تُستخدم في تنمية “إمكان” نفسها. لذلك ما فعلناه فيما بعد هو أننا فصلنا الشركتين قانونيًا، وكان هذا قرارًا صائبًا أتاح للشركتين النمو بشكل مستقل. وبالفعل، حققت “أعناب” هذه السنة ربحًا بنسبة جيدة جدًا، وهي الآن جاهزة للاستثمار. هذا إضافة إلى تحقيق أهدافنا الاجتماعية والأثر التعليمي.

 

لا شك أن انتهاء  سنة ٢٠١٨ بخسارة مالية ترك أثرًا على معنويات فريق العمل، وعلى الأرجح أنه ولد شعورًا ربما من القلق والتوتر، كيف تعاملتِ مع هذا الأمر؟

طبعا كان هناك الكثير من القلق، أنا نفسي كنت تحت ضغط، ولكنني لم أكن قلقة نظرًا للتحديات الاقتصادية على صعيد القطاع الخاص والعام في المملكة في ٢٠١٨. لكن أثناء هذه الأزمات، كان الحل من وجهة نظري هو الشفافية التامة مع فريق العمل. أخبرتهم عن أدائنا المالي بكل صراحة، بل إنني وللمرة الأولى أعطيت نسخًا من القوائم المالية للفريق، وطلبت منهم أن يقوموا بقراءتها بالتفصيل وتحليلها والخروج بتوصيات تعالج أزمة الأداء المالي الذي عانينا منه في ٢٠١٨.

أنا أؤكد على الفريق باستمرار بأننا الآن نخوض رحلة، هذه الرحلة ستأخذ وقتًا وتتطلب الانضباط والالتزام ومحاولات مستمرة منا حتى نحقق تحولًا حقيقيًا. فلا أنظر إلى الأداء السنوي بقدر ما أنظر للرحلة والوجهة. هل هناك نمو؟ الجواب: نعم.

قمنا هذا العام بإنشاء لجان عمل مختلفة تعمل على مأسسة جوانب محددة. الآن لدينة لجنة “الفريق وثقافة الشركة” ومهمتها الاهتمام بإدارة المواهب، ولجنة العمليات التشغيلية، ومهمتها أن تراجع عمليات الشركة ومعالجة أي ثغرات في سياسات وإجراءات العمل، إضافة إلى لجنة المالية، ومهمتها مراجعة الأداء المالي للشركة وإيجاد الثغرات. أنا عضو في كل لجنة، لكن أعضاء اللجنة لهم دور مهم في اتخاذ القرار، ليس أنا. وهذا تغيير كبير في عقلية فريق العمل، لأنهم بذلك يصبحون جزءًا أساسيًا وكبيرًا في عملية صنع القرار.

 

على الصعيد الشخصي، كيف كان انعكاس هذه التغييرات في قيادة الفريق عليكِ؟

الصراحة لم أكن مرتاحة من قبل لفكرة أن أطلب من فريق العمل أن يقول لي ما الذي يجب علي فعله، أو أن يقول لي أحدهم أن قراري خاطئ، وبالتالي هذه السنة كانت سنة تطوير مهني كبير بالنسبة لي، لكن الجميل أننا نمر بمرحلة يرغب فيها فريق العمل بأن يكون منخرطًا في صنع القرارات حتى إن كان منشغلًا بمهامه الرئيسة.

طبيعة عمل اللجان التي شكلناها مستمرة، أي يقوم أعضاؤها بالبحث والنظر في التحديات والفرص على الدوام، وبالتالي لا تشكل ضغطًا لأنها غير مرتبطة بمواعيد تسليم ضيقة أو طارئة كتلك التي تطغى على طبيعة العمل في مشاريع مع العملاء. وأنا جدًا فخورة بفريق العمل، لأن العديد منهم بادر بتحمل المسؤولية ما إن أتته الفرصة.

أعتقد أن إشراك الفريق في عمليات التخطيط واتخاذ توجهات استراتيجية معينة كانت خطوة جدية للنمو المؤسسي.

 

هل تعتقدين أن لبرنامج هارفرد الذي التحقتِ به هذا العام دورًا في جعلك تغيرين من استراتيجيتك وطريقتك في إدارة الشركة؟

بالطبع، برنامج هارفرد كان له دور كبير، لأنني عندما ذهبت هناك وجدت أن كل القادة الجيدين يركزون على الشؤون الداخلية للشركة أكثر من إدارة الشؤون الخارجية، ويركزون كثيرًا على تطوير فرق العمل، هذه سمة واضحة في الشركات القوية، وهذا أمر لم أعطه القدر الذي يستحقه من الاهتمام مسبقًا، لطالما جمعتني علاقة قوية بفريق العمل، لكني لم أركز في السابق على إدارة مواهبهم وتنميتها، وهناك فرق بين الاثنين.

 

كيف ساعدك برنامج هارفرد بالضبط في تحسين طريقة إدارتك للشركة؟

حسنًا، عندما عدت إلى السعودية أحضرت معي الكثير من دراسات الحالة (Case Studies) للشركات التي واجهت أزمات ومراحل تعثر، وخاضت تحولات مكنتها من النهوض مجددًا. قمت بإعداد “معسكر تدريبي” لجميع فريق العمل لمدة يومين، درسنا وحللنا فيها ٥ دراسات حالة لشركات مرت بتجارب مشابهة لما تمر به شركة “إمكان”، مثلًا إحدى هذه الشركات كانت شركة (ليقو  (LEGO، التي استطاعت تحويل خسارتها إلى نجاح مربح بعد أن اكتشف الفريق أن السبب الرئيسي وراء الخسائر هو أن لديهم عددًا كبيرًا من تصاميم القطع التركيبية يفيض عن حاجة المستهلك، لذلك قللوا عدد التصاميم من ١٢٠٠٠ إلى ٦٠٠٠ تصميم وكان أثر هذا التعديل البسيط كبيرًا على تقليل الخسائر ورفع الربح، ما تعلمناه من هذه الحالة أن نبحث عن السبب الحقيقي أو الجذر الأساسي للمشكلة والتي قد تكون في غاية البساطة لكن أثر حلها سيكون ضخمًا.

أيضًا تعلمنا من مراجعة وتحليل حالة سيرك دو زوليه (Cirque Du Solie) كيف أنهم خلقوا منظومة جديدة في مجال السيرك لم تكن موجودة من قبل، وهذا أمر مهم بالنسبة لنا في “إمكان” لأننا نقدم توليفة غير اعتيادية في مجال تطوير التعليم تجمع ما بين الاستشارات الاستراتيجية والأكاديمية، وتقديم خدمات الاختبارات من خلال كامبريدج، وأمور أخرى. بالتالي التحدي الذي نواجهه هو أنه لا يوجد مثال أو نموذج محلي مشابه لنا نتعلم منه ومن تجاربه.

كانت لدينا مشكلة سيولة أيضًا في عام ٢٠١٨ أردت معالجتها في ٢٠١٩، لذلك أول شيء قمت به عندما عدت من هارفرد هو أنني بدأت في البحث عن حلول تمويلية للنمو بدون استثمار، وشرعت في إجراءات أخذ قرض لتغطية النفقات التشغيلية، وبالفعل كان ذلك القرض الأول الذي تقترضه “إمكان”، وكان قرار صائبًا جدًا من الفريق الإداري. بعد هذه الخطوة، بدأت فورًا في العمل على مأسسة الشركة مع فريق العمل. وهذه السنة انتهت بتحقيق نسبة جيدة من الأرباح وحققنا نموًا ممتازًا.

 

ومع هذه التغيرات الجذرية التي تشهدها “إمكان”، ما هي الأهداف المستقبلية؟

الآن لدينا هدفان أساسيان: حتى نستطيع أن نحقق الأثر في قطاع التعليم الذي نحلم به، لا بد أولًا أن تكون “إمكان” شركة قائدة ورائدة في مجال تطوير التعليم. فمثلًا أحد الأمور التي ستحقق هذا الهدف هو تكوين مجتمعات مهنية للخبراء والممارسين والمهتمين في قطاع التعليم، وقد بدأنا في العمل على ذلك من خلال المؤتمر السنوي الأول الذي عقدناه في يناير ٢٠١٩ والذي حقق نجاحًا هائلًا بفضل الله كما فصّلنا سابقًا في تدوينة الطاولة المستديرة.  في المؤتمر القادم الذي سيعقد في فبراير ٢٠٢٠، قررنا أن نشرك المعلمين وقادة المدارس والخبراء في تقديم أوراق عمل والمشاركة في صناعة وتقديم ورش العمل، وبذلك نعزز دور وتفعيل هذه المجتمعات المهنية.

أما الهدف الثاني هو أن نحقق أرباحًا بنسبة ممتازة تسمح لنا أن ننمو، تحديدًا بنسبة ٣٠٪، وهذان الهدفان تم عكسهما على جميع ممارساتنا في الشركة، فعلى سبيل المثال، هذه السنة أصبحنا نراجع التكلفة على مستوى المشاريع وليس على المستوى التشغيلي بشكل عام فحسب، وهو ما سيسمح لنا بمراقبة الأداء المالي بشكل أفضل.

لم أتحدث كثيرًا عن أثرنا الاجتماعي والتنموي على القطاع لأنني متأكدة من نجاحنا في هذا الجانب. لكنني توصلت إلى قناعة أن حلمنا لتطوير التعليم يحتاج إلى مؤسسة قوية ومرنة على جميع الأصعدة. ولذا غيرت تركيزي من الخارج إلى الداخل. ممتنة لفريق العمل، ولمؤسسي “إمكان التعليمية”، زميلاتي بسمة بشناق وسارة زيني على دعمهم وثقتهم العالية. أتطلع لإطلاق خطة ٢٠٢٠ مع الفريق وتحقيق المزيد من الأثر في هذه الرحلة الممتعة!

 

—————-

 

بهذه الروح الجديدة والتحولية التي عُكِست في الحوار مع الدكتورة منيرة جمجوم، نتطلع في “إمكان” إلى عام ٢٠٢٠ والذي نعتقد أن سيكون عامًا مليئًا بالنجاحات والنقلات النوعية بحول الله وإن كان لن يخلو من التحديات.