فقر التعلّم : أزمة متجددة تهدد الطلاب بعد الجائحة

عانى العالم من عقبات وتبعات كثيرة بعد إعلان حالة الطوارئ الصحية دوليًا في يناير 2020. وبمجرد إعلان الإجراءات الوقائية وبدء تنفيذها في كل الدول كان التعليم من أول الجوانب التي واجهت انتكاسة غير متوقعة؛ منها الفاقد التعليمي لدى الطلاب نتيجة إغلاق المدارس في 2020، ومن ضمن محاولاتنا لإدراك آثار الجائحة على الفجوة التعليمية تعمقنا أكثر لدراسة وضع فقر التعليم بعد أزمة كورونا!

 

ما هو فقر التعلّم؟

طرح البنك الدولي مفهوم “فقر التعلّم” لتسليط الضوء على أزمة التعلّم التي تشهدها مختلف دول العالم وتحديدًا منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ويعبّر فقر التعلّم عن نسبة الطلاب الذين لا يستطيعون قراءة نص بسيط وفهم محتواه في سن العاشرة. فقد يكون الطلاب يلتحقون بالمدارس فعلًا لكنهم لا يتلقون فيها المهارات الأساسية التي يحتاجون إليها في الحياة العملية.

وإضافة إلى ذلك يواجه التعليم اليوم أزمة متداخلة هي الفاقد التعليمي الذي يشير إلى المهارات والمعلومات التي يفقدها الطالب نتيجة خلل في العملية التعليمية أو انقطاعها؛ وبالتالي يؤثر على تحقيق التقدم الأكاديمي المنشود. والخلل الذي واجهناه بعد جائحة فيروس كوفيد-19 والذي فاقم المشكلة هو إغلاق المدارس والتحول الكلي إلى التعليم عن بعد.

 

فقر التعلّم ما قبل 2020

قبل أن تضرب جائحة كوفيد-19 أنحاء العالم كان معدل فقر التعّلم عالميًا في مستويات تنذر بالخطر بالفعل. فقد قدّر البنك الدولي في عام 2019 – بالاعتماد على معهد الإحصاء التابع لليونسكو – أن 57% من الأطفال في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل يفتقرون لمهارات قراءة وفهم نص بسيط في سن العاشرة. بل وصلت النسبة 80% في بعض الدول الأفريقية. وقد ارتفعت هذه النسبة ما بين عامي 2015 و2019 إلى هذه المستويات العالية من فقر التعلم كعلامة إنذار مبكر لمواجهة تحديات الأهداف التعليمية العالمية.

أطفال اليوم هم موظفي المستقبل، وضعف المهارات الأساسية لدى الطلاب في سن العاشرة علامة خطر تؤثر سلبًا على إنتاجيتهم وتطورهم الوظيفي في المستقبل. فقد كانت معدلات فقر التعلّم في 2019 صدمة لمؤشر رأس المال البشري (HCI) الذي يشير إلى إنتاج الطفل بعمر 18 سنة في سوق العمل، وكان متوسط المؤشر العالمي في 2019 يدل أن الانتاجية المتوقعة هي 56 % بسبب ارتفاع أعداد الأطفال الذين يواجهون ضعف في المهارات الأساسية.

وعلى الصعيد المحلي ووفقًا لموجز فقر التعلّم في المملكة العربية السعودية في 2019 فقد سجل 38٪ من أطفال الصفوف العليا من المرحلة الابتدائية ضعف في القراءة، كما أن 3٪ من الأطفال في سن الدراسة الابتدائية لم يلتحقوا بالمدرسة في عام 2019. وهذه الإحصائيات وحدها تترجم مستوى الأزمة في المملكة وواقعها ما قبل جائحة كورونا.

 

الأزمة العالمية بعد الجائحة

خلال فترة الإغلاق والحظر نتيجة انتشار كورونا عانت جميع الفئات العمرية من الإجهاد والتوتر العقلي والجسدي والعاطفي، ولا ننكر أن الأطفال هم من أكثر الفئات ضعفاً والذين وقع عليهم المزيد من التحديات. على الرغم من أن أولياء الأمور والمعلمين والمستشارين التربويين لعبوا دورًا حيويًا في السيطرة على الضرر، فقد استغرق العالم وقتًا طويلاً لتنفيذ ممارسات جديدة مفيدة لصحة الأطفال العقلية والجسدية.

 

تطورات الأزمة في 2022

بسبب أشد صدمة أصابت عملية التعليم والتعلم في التاريخ، ارتفعت معدلات فقر التعلّم بمقدار الثلث في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل؛ أي يعجز 70% من الأطفال في سن 10 سنوات عن فهم نص مكتوب بسيط. وفي عالمنا اليوم حيث وتيرة التطور أسرع بكثير من أي وقت مضى،
أما في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فيزداد عدد الأطفال غير القادرين على قراءة نص بسيط وفهمه بنسبة 9٪ مقارنة بمعدلها في 2019 الذي وصل إلى 63%؛ مما قد يؤدي إلى تدهور الوضع، إذ أن الأطفال الذين عانوا قبل إغلاق المدارس من ضعف في مهارات القراءة والكتابة الأساسية من المتوقع أن يعانون من فجوة تعليمية أكبر. ودون المهارات الأساسية ستزداد صعوبة اكتسابهم للمهارات الفنية والمتقدمة الضرورية للنجاح في سوق العمل التي تتزايد متطلباته كل يوم.

ومن جهود المملكة لاستيعاب هذه الأزمة العالمية محليًا أّعيد نشر موجز فقر التعلّم للمملكة العربية السعودية في يونيو 2022، لدراسة فقر التعلّم في المملكة العربية السعودية بالتحديد إذ وجدت أن معدلاته لم تتأثر بالجائحة كما أنها تقل بنسبة 19.6٪ عن منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالمجمل؛ لكنه أعلى بنسبة 23.1٪ من المتوسط في دول العالم الأول. وعلى الرغم من ثبات معدلات فقر التعلّم لم يساعد الفاقد التعليمي خلال الجائحة في تنمية المهارات الأساسية لـ 38% من الطلاب في المملكة والذين يعانون بالفعل من ضعف ملحوظ؛ مما يزيد صعوبة إلتحاقهم بركب التطور المستمر في سوق العمل.

لا ننكر أن فقر التعلم اليوم يعد أزمة عالمية وتحديًا يواجه جميع فئات مجتمعنا المحلي. وتجاهل هذه المؤشرات في الوقت الحالي، قد يقود إلى خسارة هذا الجيل للكثير ومواجهة تصورات أكثر صعوبة في المستقبل للأجيال القادمة.

 

الخطوات الأولى للتغلّب على أزمة فقر التعلّم

في آذار (مارس) 2022 نشرت منظمة اليونيسف نتيجة المسح الذي ركز على التعافي التعليمي من خسائر التعلّم الناجمة عن جائحة كوفيد-19 في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وبناء عليه نقترح حلول ونصائح يمكنها تحسين مشهد فقر التعّلم بعد جائحة كورونا، كما يلي:

  • تقييم المستوى المعرفي الحقيقي للطلاب

    يعود الأطفال إلى المدرسة هذا العام وهذا هو الوقت المناسب للمعلمين والمدارس لتقييم مستواهم وتحصيلهم المعرفي مقارنة بعام 2019 حين كانت أركان العملية التعليمة متكاملة بخلاف عامي 2020 و2021 التي شهد فيها الطلاب ظروف استثنائية من التعلّم والتقييم عن بُعد. بمجرد أن نعرف مدى عمق الفاقد التعليمي منذ 2019، يمكننا معرفة الوسائل الملائمة لسد الفجوة.

     

  • منح الأولوية لتعليم المهارات الأساسية

    مع حماس عودة العملية التعليمية على الأهالي والمعلمين والجهات التعليمية منح الأولوية للمهارات الأساسية من مهارات القراءة والكتابة والرياضيات في المراحل الأولية خصوصًا، إذ تشكل اللبنة الأولى لبناء المعرفة واكتساب مهارات متطورة في المراحل المتقدمة.
    وهنا يأتي أهمية تقديم التعليم النوعي الذي يركز على النتائج أكثر من الكمية، ودعم دمج المهارات الأساسية في مختلف الأنشطة الصفية واللاصفية لتنمية مهارات القراءة والكتابة والخط.

     

  • مبادرات على المستوى الوطني لمعالجة فقر التعلّم

    إيجاد برامج إصلاح ومبادرات على المستوى الوطني تقدم الدعم للمدارس لمعالجة فقر التعلّم وخاصة في المناطق الطرفية؛ مثل تهيئة المدارس قبل بدء الفصل الدراسي في جميع أنحاء المملكة أن تساعد أعضاء هيئة التدريس وأولياء الأمور والطلاب على متابعة الفاقد التعليمي ومساندة تعزيز التحصيل خلال العام، وكذلك برامج التقوية الإضافية لتحسين المهارات الأساسية الضعيفة للطلاب الأقل أداءً.

     

  • إشراك الطلاب في عملية التحسين

    القضاء على فقر التعلّم يتطلب وضع أهداف مجتمعية مشتركة بين الأهالي والطلاب والمعلمين والجهات التعليمية والإدارية، لذا ننصح أولَا بتوعية الطلاب بمستواهم الحقيقي، وإشراك الطلاب والأهالي في عملية تحسين التحصيل التعليمي من خلال توفير بيئة إيجابية مشجعة للتطور والمنافسة.

    وننصح المعلمين بدمج المهارات اللازمة لتقييم الأداء الذاتي في أنشطة الصف وواجبات الطلاب ليتمكن الطالب من معرفة مواطن ضعفه ومدى تحسّن أداءه، والاعتماد على ذاته في تحسين تحصيله المعرفي، كما على المعلمين مراجعة المهارات الأساسية السابقة قبل دمجها في دروس هذا العام للتأكد من بناء المعلومات الجديدة على أسس قوية وصحيحة.

    أما دور أولياء الأمور فهو مساندة الأبناء في وضع خطة إنجاز واضحة ومبسطة تضم نقاط الضعف التي يلحظها الطالب، ومتابعة سير المنهج لتقوية أي مهارات أساسية خصوصًا في مهارات الرياضيات قبل الانتقال المهارات المتقدمة. كما ننصح الأهالي بتشجيع الأبناء على ممارسة أنشطة يومية مثل قراءة أو كتابة صفحة يوميًا ومناقشتها، ليتمكن الطالب تحسين تحصيله التعليمي والمساهمة في القضاء على فقر التعلّم وتحقيق مستقبل أفضل.


لمعرفة المزيد عن خدمات إمكان لتطوير و دعم المدارس والمؤسسات التعليمية زوروا موقعنا: https://emkaneducation.com/ar/school-development/
او يمكنكم التواصل معنا على [email protected]


المصادر:

[1] البنك الدولي: موجز فقر التعلّم في المملكة العربية السعودية، أكتوبر 2019

[2] اليونسيف: تقرير عن الوضع: في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

[3] حالة فقر التعلُّم في العالم: تحديث 2022

[4] البنك الدولي: موجز فقر التعلّم في المملكة العربية السعودية، يونيو 2022