التعليم عن بعد وتحقيق العدالة: كيف نمكن الفئات المهمشة من الحصول على التعليم اللازم؟

لا شك أن مسألة التعليم عن بعد جاءت كحل مسعف في ضوء تعطل الحياة العامة وتوقف المدارس إلا أنه ليس أفضل الحلول لإكمال سير منظومة التعليم على النحو المطلوب، فالتعليم عن بعد بشكله الحالي لا يزال يعاني من عدة ثغرات، أهمها عدم تحقيق العدالة في التعليم.  وما نقصده بالعدالة هنا هو ضمان حق الحصول على التعليم اللازم للجميع.

 

ومن بين أهم الثغرات الخطرة التي لم يستطع التعليم عن بعد ردمها هي استمرارية تعليم طلاب الاحتياجات الخاصة، هذه الفئة التي لطالما كانت مهمشة ومنسية حتى من قبل الأزمة، وقد تضاعف تهميشها مع انتقال عملية التعليم بشكل كامل إلى المنصات الإلكترونية. والذي نقصده بالتهميش هنا ليس عدم توفير المناهج، أو الدعم، أو أيًا كان من الوسائل التعليمية لهذه الفئة فحسب، بل أيضًا عدم أخذ وضعهم الخاص بعين الاعتبار عند التخطيط ووضع السياسات العامة للتعليم في ظل هذه الأزمة.

 

جائحة كورونا والطلاب ذوي الإعاقات النمائية

 

أكثر طلاب تضررًا خلال هذه المرحلة هم الطلاب ذوي الإعاقات النمائية (مثل التوحد والإعاقة الفكرية)، ليس فقط لأن المعلمين لا يستطيعون التواصل معهم بشكل مباشر عن بعد كما في بيئة المدرسة، بل لأن هذه الفئة تحديدًا تحتاج لظروف حياتية معينة، أهمها: ١) وجود روتين يومي واضح لا يتغير، ٢) وجود أنشطة توجيهية تعالج الاضطرابات السلوكية عند هذه الفئة، ٣) وجود جلسات فردية سلوكية علاجية مكثفة. ومع اضطرار إبقاء الطلاب ذوي الإعاقات النمائية في المنزل، صَعُب على التربويين والأهالي الاستمرارية في تحقيق هذه الأمور الثلاثة بشكل فعّال، وبالتالي تفاقم وضع هؤلاء الطلاب الذين يمر الكثير منهم الآن بانتكاسة ناتجة عن تغير ظروف الحياة بشكل مباغت، وقلة خبرة أهاليهم في التعامل معهم في هذه الظروف الاستثنائية التي قد تولد موجات غضب وسلوك عدواني عند هذه الفئة من الطلاب.

 

تعامل معلمي التربية الخاصة مع الأزمة

 

تحدثنا إلى بعض معلمي التربية حتى نفهم التحديات التي يواجهونها، فوجدنا أن الغالبية اتفقت على عدم وجود دعم على مستوى السياسات التعليمية، فمثلاً منصتي عين والمستقبل لا يشملان مواد أو محتوى خاص بطلاب الاحتياجات الخاصة/الطلاب ذوي الإعاقات النمائية، أيضًا لم توجد أي برامج تدريبية تستهدف هذه الفئة من المعلمين تحديدًا، بالرغم من ذلك قام العديد من المعلمين بالمبادرة لاتخاذ إجراءات تدعم الأهالي في هذه الأزمة، كمشاركتهم أنشطة وتوجيهات عبر البريد الإلكتروني وتطبيق الواتس آب، وفي بعض الحالات، تم عقد لقاءات تدريبية للأهالي من خلال زووم. وبالرغم من هذه الجهود والمبادرات الرائعة، إلا أننا لا زلنا بعيدين كل البعد عن الطالب نفسه ولم نستطع حتى الآن إيجاد وتطبيق طريقة ناجعة للتعامل مع مشاعره وسلوكه كما ينبغي في هذه المرحلة الحرجة.

 

ردود أفعال أهالي الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة

 

كما أن الطلاب يعيشون حالة سيئة في هذه الفترة، فالوضع لا يختلف عند الأهالي الذين وجودوا أنفسهم فجأة مسؤولين وحدهم – وعلى مدى ٢٤ ساعة – عن صحة أبنائهم النفسية والذهنية والجسدية دون أي دعم خارجي (المدرسة / المركز)، ناهيك عن أننا نعيش في ظروف استثنائية تولد ردود أفعال استثنائية من الأبناء، مما يستدعي تعامل حذر حتى لا تحصل أي انتكاسات، وبطبيعة الحال، الأهالي ليسوا مدربين على هكذا ظروف وغير مؤهلين للتعامل معها كالأخصائيين والمعلمين. الأمر الجيد أن المعلمين لاحظوا أن هناك تجاوب غير مسبوق من الأهالي لمحاولة تعلم وفهم كيفية التعامل مع أبنائهم. لكن يبقى هناك جزء كبير من الأهالي الذين لا يريدون التواصل مع المعلمين والتعامل مع هذه الظروف نظرًا للضغوطات النفسية والاقتصادية التي أثرت عليهم.

 

شهد الشريف والتعليم عن بعد لفئة الطلاب الذين يعانون من التوحد

 

تحدثنا مع د. شهد الشريف، الحاصلة على الدكتوراه في تحليل السلوك التطبيقي من جامعة كولومبيا بالولايات الأمريكية المتحدة، وهي تعمل حاليًا كمشرفة في مركز أطفال منهاتن بمدينة نيويورك والذي يُعنى بتعليم وتدريس الطلاب ذوي الإعاقات النمائية. الجدير بالذكر أن المركز استطاع أن يستمر في تقديم جميع الحصص والأنشطة والجلسات الفردية مع الطلاب عبر تطبيق زووم على مدى الثلاثة شهور الماضية، وقد أخبرتنا د. شهد أن هناك عدة عوامل تساعد على إنجاح تجربة التعليم عن بعد للطلاب ذوي الإعاقات النمائية، أهمها:

 

  • وجود مستوى جيد من السلوك اللفظي: أي ماهي قدرات الطالب؟ هل يجيد الكتابة، والقراءة، لديه قدرات سمعية، وبصرية؟
  • وجود مستوى جيد من مهارات إدارة الذات: هل الطالب متمكن من التواصل البصري؟ هل يستطيع أن يجلس على الكرسي لمدة ٣٠ دقيقة؟ هل يسهل إعادة توجيهه إذا ما تشتت انتباهه؟ هل يستطيع أن يستخدم جهاز الكمبيوتر بنفسه (مثلا تحريك الماوس، التنقل في الشاشة من موضع إلى آخر)؟
  • قلة أو عدم وجود السلوكيات غير المتكيفة: هل الطالب لديه سلوك عدواني يؤذي به نفسه أو الآخرين (مثل الضرب والتكسير)؟

 

وجود هذه العوامل يضمن بشكل كبير عملية التعليم عن بعد عبر منصات إلكترونية لهذه الفئة من الطلاب. لذلك يجدر على المدارس ومراكز التربية الخاصة التركيز عليها وأخذها بعين الاعتبار عند التخطيط لتقديم تعليم عن بعد لهذه الفئة.

 

أما بالنسبة لآلية تطبيق الحصص والجلسات، فأخبرتنا د. شهد أن المركز لا زال يتبع ذات الروتين المدرسي العادي، فالطلاب يبدءون دوامهم عن بعد حوالي الساعة التاسعة صباحًا وينتهون قرابة الساعة الثالثة مساءً، خلالها يتلقون جلسات فردية وحصص جماعية تضم الواحدة منها ما بين ٨ إلى ١٠ طلاب، وحتى تسهل إدارة انتباه الطلاب، قللوا مدة الحصص وأدخلوا الكثير من الاستراحات القصيرة إلى الجدول الدراسي. كما أن المركز يقدم لهم حصص موسيقى ورياضة بدنية أيضًا عن بعد. أما بالنسبة للمعلمين فقد قاموا بالمبادرة لتحويل جميع الأنشطة والكتب والقصص إلى عروض مرئية (باوربوينت) حتى يستطيع الطلاب متابعتها بسهولة على شاشة الكمبيوتر.

 

أما بالنسبة للأهالي، فيتبع المركز سياسة مفتوحة معهم أي أنه يقدم أي دعم للأهالي في وقت قصير ومرن، مثلاً عندما يتواصل أي ولي أمر بخصوص مشكلة مع ابنه ذوي الاحتياجات الخاصة، فإن فريق دعم من خبراء المركز يعود لولي الأمر بخطة مفصلة في غضون يوم أو يومين لتعينه على التعاون مع الإشكالية، أيضًا يقدم المركز ساعات مرنة للطلاب الذين يحتاجون مرافقة أهاليهم في الجلسات الفردية بحسب الأوقات المناسبة للأهالي الذين لديهم ظروف خاصة، حتى وإن اضطر ذلك المعلمين والأخصائيين لأن يعملوا خارج ساعات الدوام الرسمية، فكما تؤكد د. شهد “نحن نعيش ظروف استثنائية، علينا أن نقدم جهود استثنائي”.

 

تحدي تهيئة الطلاب ذوي الاحتياجات الخاصة لعالم ما بعد كورونا

 

بالرغم من هذا النجاح والتقدم في استمرارية تقديم التعليم عن بعد الذي شاركتنا إياه د. شهد الشريف، إلا أن هناك العديد من الانتكاسات في حالات الطلاب النفسية والذهنية الحاصلة، خاصة عند الطلاب الذين لديهم مستوى عالٍ من السلوكيات غير المتكيفة، وتدعو د. شهد إلى ضرورة التفكير في الإجراءات التي يجب اتخاذها لإعادة دمج هذه الفئة في الروتين اليومي في ظل استمرارية تطبيق الاحترازات الوقائية من الفيروس، فعلى سبيل المثال أصبح بعض الطلاب الآن يخشى الخروج من المنزل بعد أن بقي فترة طويلة فيه، كيف سنهيئهم لمزاولة الحياة الطبيعية والذهاب للمدرسة مرة أخرى؟ وطلاب آخرون لديهم مشكلة في تقبل رؤية أهاليهم بالكمامات والقفازات، بل يصعب على الطلاب أنفسهم تقبل لبسها وفهم ضرورة ترك مسافات بين الأشخاص في الأماكن العامة، كيف سندربهم على ذلك؟

 

أخيرًا، يؤلمنا كثيرًا رؤية الأضرار التي تسببت فيها جائحة كورونا، لكن يؤلمنا على وجه الخصوص رؤية الضرر الناتج عن تعطل التعليم بشكل عام وتعطل التعليم عند الفئات المهمشة بشكل خاص. نتمنى أن نرى مبادرات وطنية سياسات تعليمية شاملة تأخذ بعين الاعتبار تمكين ودعم هذه الفئة التي دائما ما كانت منسية.

 

 

 

مصدر صورة التدوينة : smu.edu