العودة للدراسة حضوريا: كيف يمكن تيسيرها لأبنائنا وبناتنا من الطلاب؟

في ظل تبعات جائحة كورونا وبعد قضاء ما يزيد عن العام في تجارب التعليم عن بعد، نواجه اليوم العديد من المخاوف والاحتياطات الواجب وضعها في الاعتبار ليكون العام الدراسي الجديد تجربة آمنة ومثمرة للجميع. ولذا يحاول فريق إمكان أن يجاوب من خلال هذه المقالة على التساؤل المُلِح: كيف يمكننا مساعدة أبنائنا وبناتنا على العودة للمدارس بعد أكثر من عام دراسي عن بُعد؟

 
الأثر البارز لجائحة كورونا على نفسيات الطلاب.

الحقيقة التي يجب علينا تقبلها هي أن الأوضاع لن تعود لما كانت عليه قبل الجائحة، خاصة من منظور الطلاب والطالبات باختلاف أعمارهم ومراحلهم الدراسية. فسواء كانوا أطفالًا أو مراهقين، سيدخلون العام الدراسي الجديد محملين بتبعات صدمات العام الماضي ومخاوفه وقلقه. فلما يزيد عن عام تعرضوا لأهوال مختلفة، بداية من الخوف من التعرض للمرض، والفزع على سلامة أحبائهم وأصدقائهم المرضى، ووصولًا إلى صعوبات التكيف مع الاحترازات الصحية الجديدة وأثرها على تفاصيل حياتهم الاجتماعية، إلى جانب التكيف مع التحول للتعليم الالكتروني والتعلّم عن بُعد.

علينا أيضًا إدراك أن الجائحة بكل تبعاتها كان لها أثرٌ بالغ على الصحة النفسية للأطفال حول العالم. والإحصائيات القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر من أوضح الأمثلة الدالة على ذلك، فوفقًا للمركز الأمريكي لمكافحة الأمراض والوقاية منها، ارتفعت معدلات حجز الأطفال في المستشفيات لأسباب متعلقة بالصحة النفسية بأكثر من ٢٥%، كما أفاد أكثر من نصف المراهقين بين ١١ إلى ١٧ عامًا عن اختبارهم لأفكار مؤذية أو انتحارية في سياقات متصلة بظروف الجائحة.

 
قبل العودة للمدارس علينا أن نكتشف الدروس التي تعلمناها من السنة الماضية.

أهم الدروس المستفادة من تجربة العام الماضي هو ضرورة الانتباه لمسألة الفاقد التعليمي مع بداية العام الدراسي الجديد. فكما وضحنا في مدونتنا السابقة، لا بد وأن يبدأ العام الجديد بقياس مقدار التعليم المتحقق في الفترة الماضية، ومقارنته مع المستويات المفترضة لكل مرحلة دراسية لتقدير حجم الفاقد التعليمي لدى الطلاب والبدء في معالجته. مع مراعاة أن التباين في درجة الفاقد التعليمي تعني توسيع فجوة الفرص بين الطلاب المختلفين، وبالتالي فمن المتوقع ملاحظة مزيد من التأخر لدى الطلاب من الفئات الأقل حظًا.
وكل هذا يعتبر أسبابًا إضافية من المتوقع أن تثير مزيدًا من القلق والمخاوف لدى الطلاب والطالبات مع عودتهم للدراسة حضوريًا. وهو تحدٍ يستوجب شجاعة كبيرة منا جميعًا؛ مدارس ومعلمين وأولياء أمور.

 
أهمية العودة للدراسة الحضورية.

في واقع الأمر، ووفقًا للتقارير العالمية، فالفاقد التعليمي ليس الأثر السلبي الوحيد لإغلاق المدارس، بل يمتد للتأثير على النمو الاجتماعي والعاطفي للأطفال، والدخل المادي للأسرة، والاقتصاد الكلي للدولة على المدى الطويل. ومن شأن العودة للدراسة الحضورية أن يساعد على سد فجوة الفاقد التعليمي ويمكّن الأطفال من تحقيق التطور الدراسي الملائم لمراحلهم الدراسية، وتعزيز لياقتهم وسلامتهم النفسية والاجتماعية، وتخفيض خطر التسرب من التعليم.
بالإضافة إلى تمكين أولياء الأمور من التركيز على مسؤولياتهم الأخرى وأولها التفرغ للعمل ومسؤوليات المنزل، وهو ما يعالج بدوره بعض التبعات الاقتصادية الناتجة بشكل غير مباشر عن إغلاق المدارس.

 
توصياتنا للمدارس مع العودة للدراسة الحضورية.

أولًا، لا بد من الالتزام الصارم بالإجراءات الاحترازية التي أقرتها وزارتا الصحة والتعليم. فوفقًا لأحدث بيانات وزارة التعليم، بلغت نسبة التحصين في التعليم العام ٩٢% بين المعلمين والمعلمات والإداريين والموظفين، و٦١% لدى الطلاب والطالبات، وذلك في ظل تشجيع الوزارة الطلاب والطالبات للحصول على التحصين قبل بداية العام كشرط أساسي للحضور. كما خصصت الوزارة ما يزيد على مليار ريال لصيانة ونظافة المباني المدرسية استعدادًا للعودة الحضورية. وأشار معالي الوزير في تصريحاته إلى أن الوزارة قامت بإصدار آلية تنظيمية وإرشادية للمدارس والمعلمين والطلاب والطالبات وأولياء الأمور للعودة ما بعد الجائحة.

ثانيًا، من الضروري توجيه المعلمين والقائمين على إدارة المدارس حول السعودية للحرص على رفع الوصمة عن تحديات وصعوبات الصحة النفسية، والاستعداد للتعامل معها بانفتاح وتقبل. علينا أن نخلق بيئة آمنة نفسيًا ومعنويًا تشجع أبنائنا الطلاب والطالبات على التعبير عن مخاوفهم وقلقهم، وعلى المعلمين أن يكونوا على وعي بأثر هذه التحديات وأن يخصصوا جزءًا من روتينهم اليومي في قاعات الصفوف وخارجها للاطمئنان على طلابهم، وأن يكونوا مدربين على التواصل مع أولياء الأمور لتنسيق كيفية دعم الأطفال المتأثرين، وكذلك التواصل مع المختصين إن لزم الأمر.
يمكن أن يتحقق ذلك بطرح أسئلة بسيطة مثل “كيف تشعرون اليوم؟” أو “هل تريدون التحدث معي عن أي أفكار تشغل بالكم اليوم؟” إلى جانب ملاحظة أي أعراض للقلق أو التوتر لدى الطلاب ثم اتخاذ الإجراءات اللازمة.
نحن في فريق امكان لخدمات كامبريدج للمدارس نقوم بتقديم الدعم لمدارسنا الشريكة، من حيث تقديم النصائح والتدريب اللازم للمعلمين والفريق القيادي في المدرسة لجعل تجربة العودة الى المدارس حضوريا أكثر نجاحا وفعالة.

 
نصائح إمكان لأولياء الأمور ليتمكنوا من مساعدة أطفالهم على العودة للدراسة الحضورية.

لأولياء الأمور دور أساسي في دعم الأطفال وإعدادهم لهذه الخطوة. يبدأ ذلك بإدراك فداحة الآثار المحتملة للعام الماضي على نفسيات الأطفال، مع خلق مساحة معنوية آمنة في البيت ونطاق الأسرة، بحيث يتمكن الأطفال من التعبير عن أي قلق أو مخاوف لديهم؛ عندما يتحقق ذلك يتمكن أولياء الأمور من ملاحظة أي صعوبات أو مشاكل تستوجب تدخلهم، ويتصرفون على أساس هذه الملاحظات. مع العلم بأن القلق على اختلاف درجاته وأعراضه قابل للعلاج، وإذا لم يكن ولي الأمر قادرًا على مساعدة طفله بمفرده، يمكنه بالطبع طلب المساعدة من المدرسة أو أحد المتخصصين إذا لزم الأمر. يقودنا هذا إلى الإجابة عن ثلاثة أسئلة من المحتمل أن تخطر ببال كل ولي أمر:

 
أولًا: كيف أعرف إن كان طفلي يعاني من القلق أو الخوف من العودة للمدرسة؟

إن كان طفلك قد عانى من أعراض قلق حادة بسبب ظروف الجائحة على مدار العام الماضي، فعلى الأرجح سيكون لديه شعورًا بالقلق وربما الخوف أيضًا من فكرة العودة للدراسة الحضورية. بالإضافة للأطفال الذين يظهرون أعراض خوف أو انزعاج من الذهاب للمدرسة بشكل عام، بعض الأطفال يصابون بنوبات بكاء حاد أو يشعرون بالمرض في أيام الدراسة بالتحديد بشكل ملحوظ.

 
ثانيًا: كيف يمكنني التحدث مع طفلي عن شعوره بالخوف أو القلق من العودة للمدرسة؟

قد يكون الأمر صعبًا في البداية، خاصة إذا لم يكن الطفل معتادًا على التحدث عن مشاكله ومناقشتها. لذلك ننصحكم باتباع الخطوات التالية:

  • اختاروا وقتًا ملائمًا للتحدث معهم، بحيث يكون الطفل هادئًا وقادرًا على التركيز والتجاوب معكم دون ضغط أو تشتيت.
  • أكدوا لهم أن مشاعرهم ومخاوفهم لها أسباب وجيهة وتستحق الاهتمام.
  • أكدوا على رغبتكم في مساعدتهم على مواجهة هذه المشاعر.
  • حاولوا أن تفسروا لهم أسباب هذه المشاعر، واعملوا على تحليلها معًا.
  • وجهوا الحوار بالتدريج لكشف الأسباب الكامنة، اطرحوا أسئلة مثل “لماذا تعتقد أنك تشعر بذلك؟” مرة بعد أخرى إلى أن يصل الطفل لتصور ملموس لأسباب يمكن التعامل معها بشكل أوضح.

 
ثالثًا: إذًا، كيف يمكنني التعامل مع مخاوف طفلي وقلقه لكي أقدم له مساعدة فعالة؟

بناءً على ملاحظاتكم لطبيعة هذه الأسباب يمكنكم تقرير التصرف الملائم، قد يعني هذا القيام ببعض الأنشطة البسيطة لتشجيعهم ومنحهم مزيدًا من الثقة في أنفسهم. والنصائح التالية تمهد لكم بعض الخطوات الأساسية للتعامل مع مشاعر الخوف والقلق لدى أطفالكم فيما يتعلق بالعودة للدراسة الحضورية:

  • رتبوا زيارة لمقر المدرسة للتجول فيها والتعرف على بعض المسؤولين أو المعلمين، بهدف تمهيد تجربة للطفل قدر الإمكان قبل بداية الدراسة.
  • حاولوا مساعدتهم على رؤية الجانب الإيجابي من العودة الى المدرسة حضوريا، فاطلبوا منهم استحضار ذكريات مرحة عن معلميهم ودروسهم، وكيف سيكون بمقدورهم اللعب والاستمتاع مع أصدقائهم مرة أخرى.
  • رتبوا لمكالمات فيديو بين أطفالكم وأصدقائهم من زملاء الدراسة، وشجعوهم لعمل خطط اللعب والمرح عند عودتهم للدراسة الحضورية.
  • تواصلوا مع معلمي أطفالكم واطلبوا منهم التحدث مع أطفالكم لتشجيعهم على العودة للمدرسة وطمأنتهم أن المدرسة تتخذ جميع الاحتياطات اللازمة لضمان سلامتهم.

 
بالنسبة للأطفال الأكبر سنًا، خاصة في حالة الانتقال لمرحلة دراسية جديدة:

  • أثناء الحديث معهم، وضحوا لهم أنكم تعرفون صعوبات وتحديات الانتقال لمرحلة دراسية جديدة، من المتوسط للثانوي على سبيل المثال.
  • أظهروا لهم فخركم بشجاعتهم في التعبير عن مشاعرهم وإقدامهم على هذه الخطوة في ظل الظروف المقلقة الناتجة عن الجائحة.
  • شجعوا أبناءكم وبناتكم على التفكير في التفاصيل المثيرة للمرحلة الجديدة المقبلين عليها، مثل تكوين صداقات جديدة، أو اكتساب معارف جديدة في موضوعاتهم الدراسية المفضلة.
  • إذا كان ابنك أو ابنتك سينتقل إلى مدرسة جديدة، فمن المفيد أن تحاول الاجابة عن أي استفسارات لديهم بشأن المكان الجديد وتفاصيله. يمكنكم التواصل مع المدرسة لمساعدتكم في تقديم الإجابات المطلوبة.

مهما كانت المخاوف المحيطة بالعودة للدراسة الحضورية، فمن الأكيد أنها خطوة ضرورية في رحلتنا في التعامل مع تبعات الجائحة، خطوة ستعود بالنفع على المجتمع ككل وعلى أطفالنا على وجه الخصوص. وفي ظل هذه الظروف من الطبيعي والمتوقع أن يعاني بعض أبنائنا وبناتنا الطلاب من الخوف والقلق تجاه العودة للمدرسة. ومن واجبنا أن نتعاون معًا لجعلها تجربة آمنة ومثمرة.

ونحن في إمكان التعليمية على ثقة بأننا إذا طبقنا هذه الخطوات والنصائح، وتعاونا معًا على إحاطة أطفالنا بالحرص والاهتمام واتباع الاحترازات في البيت والمدرسة، ستصبح العودة للدراسة الحضورية تجربة ناجحة للجميع.

 
المصادر:

[١] Mental Health–Related Emergency Department Visits Among Children Aged <18 Years During the COVID-19 Pandemic

[٢] How Schools Can Adapt Pandemic Protocols to Support Students’ Mental Health

[٣] WOH: COVID-19 Q&As on COVID-19 and Schools

[٤] Managing Children’s Fears Around Returning to School after Coronavirus Lockdown

[٥] المركز الإعلامي لوزارة التعليم السعودية: مخصصات الوزارة للاستعداد للعودة الحضورية للمدارس